علوم البلاغة الثلاثة: البيان (تشبيه، استعارة، كناية، مجاز)، المعاني (خبر/إنشاء، قصر، إطناب/إيجاز)، البديع (طباق، مقابلة، جناس، سجع، حسن تعليل، مبالغة) مع أمثلة قرآنية وشعرية. تقدم هذه الوحدة مفاهيم وأدوات عملية لفهم قضايا التربية والتكوين وتحويلها إلى أجوبة منظمة في المباريات المهنية.
تحليل التشبيه وتحديد أركانه وأنواعه وأغراضه البلاغية
التمييز بين الاستعارة التصريحية والمكنية والكناية والمجاز المرسَل
استيعاب علم المعاني: الخبر والإنشاء، القصر، الإطناب والإيجاز
تحديد المحسنات المعنوية واللفظية في علم البديع
توظيف مفاهيم البلاغة في تحليل النصوص وتدريسها بالابتدائي
ضبط المفاهيم الأساسية واستعمالها في سياق مهني واضح.
تحليل الوضعيات التربوية بالاعتماد على مؤشرات وحجج دقيقة.
بناء جواب منظم: تعريف، تحليل، مثال، ثم خلاصة تطبيقية.
ربط المعارف النظرية بممارسة القسم أو المؤسسة.
يندرج هذا الفصل ضمن مجال «علوم اللغة واللسانيات» (50% من اختبار مادة التخصص في اللغة العربية)، تحديدًا فرع «العروض والبلاغة» — وهو المجال الفرعي الذي تصنَّف فيه البلاغة رسميًا في هذا التوصيف، لا ضمن شق الأدب والنقد.
١.١ تعريف البلاغة
البلاغة في اللغة: الوصول والانتهاء. واصطلاحاً: مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته. تشمل البلاغةُ كلَّ من المتكلم والكلام:
بلاغة المتكلم: ملكة تمكّنه من التعبير عن مقصوده بكلام بليغ فصيح في كل موقف.
بلاغة الكلام: مطابقته للمعنى المراد وللحال التي قيل فيها، مع السلامة من عيوب الفصاحة.
الفرق بين الفصاحة والبلاغة
الفصاحة شرط في المفرد والكلام: خلوّه من تنافر الحروف والغرابة والمخالفة القياسية. البلاغة تزيد على الفصاحة بمطابقة مقتضى الحال، فكلُّ كلام بليغ فصيح، وليس كلُّ فصيح بليغًا.
١.٢ أقسام البلاغة الثلاثة
علم البيان بيان
إيراد المعنى الواحد بأساليب متعددة في وضوح الدلالة: التشبيه، الاستعارة، الكناية، المجاز.
علم المعاني معاني
دراسة الأساليب النحوية من حيث مطابقتها لأغراض المتكلم: الخبر/الإنشاء، القصر، التقديم/التأخير، الإطناب/الإيجاز.
علم البديع بديع
تحسين الكلام البليغ بعد مراعاة مطابقته لمقتضى الحال: المحسنات المعنوية واللفظية.
ثلاثة علوم متكاملة: وضوح الدلالة (البيان)، مطابقة مقتضى الحال (المعاني)، تحسين الكلام (البديع)
يواصل هذا الفصل الفرع نفسه، بتناول الاستعارة والكناية والمجاز — بقية أبواب علم البيان.
٣.١ الحقيقة والمجاز
قبل الحديث عن الاستعارة والكناية، لا بد من التمييز بين الاستعمال الحقيقي والاستعمال المجازي للفظ.
الحقيقة
استعمال اللفظ في معناه الأصلي الذي وُضع له في اللغة.
«اشتريتُ خبزاً من الفرن» — الخبز هنا خبز حقيقي يُؤكل، لا شيء آخر.
المجاز
استعمال اللفظ في غير معناه الأصلي، لعلاقة بينه وبين المعنى المراد، مع وجود قرينة تمنع إرادة المعنى الحقيقي.
«فلانٌ بحرٌ في علمه» — لا يُقصد بحر الماء، بل سعة العلم؛ وعبارة «في علمه» هي القرينة التي تمنع إرادة الحقيقة.
القرينة: دليل (لفظي أو معنوي أو حالي) يمنع إرادة المعنى الحقيقي ويوجّه الذهن إلى المعنى المجازي المقصود.
المثال
حقيقة أم مجاز؟
القرينة
«شربتُ ماءً باردًا»
حقيقة
لا مانع من إرادة المعنى الأصلي
«القريةُ كلُّها خرجت لاستقبال الفريق الفائز»
مجاز (علاقة الكلية)
الاستقبال فعل بشري، فالمقصود أهل القرية لا حجارتها
«نجحتُ في الامتحان بفضل جهدي»
حقيقة
لا مانع من إرادة المعنى الأصلي
لماذا يهمّ هذا التمييز؟
كل ما سيأتي من الاستعارة والكناية والمجاز المرسَل هو صور من المجاز؛ والقرينة هي التي تكشف خروج اللفظ عن حقيقته. بدون قرينة واضحة يبقى الكلام محمولاً على الحقيقة فقط.
٣.٢ الاستعارة
الاستعارة: تشبيه بليغ حُذف أحد طرفيه — المشبَّه أو المشبَّه به — وادُّعي أن الباقي هو الآخر.
التصريحية
حُذف المشبَّه وذُكر المشبَّه به صراحةً في مقامه.
﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ ← المشبَّه به (النار) رُمز إليه بلازمه «اشتعل». مريم: 4
«حديقةُ العلمِ تُثمر في كل موسم» ← العلم (مشبَّه) شُبِّه بحديقة ورُمز إليها بـ«تُثمر».
٣.٣ الكناية
الكناية: لفظ أُطلق وأُريد به لازم معناه مع جواز إرادة المعنى الأصلي. تتميز عن المجاز بجواز إرادة الحقيقة.
نوع الكناية
التعريف
مثال
المعنى الكنائي
كناية عن صفة
يُكنى بها عن صفة من صفات الشيء
«كثيرُ رمادِ القِدر» — العرب
الكرم وكثرة الضيافة
كناية عن موصوف
يُكنى بها عن شخص أو شيء معين
«جاءت من تضربُ الأرضَ بأذيالها»
المرأة (بدل ذكرها صراحةً)
كناية عن نسبة
تُسند الصفة لشيء متعلق بالموصوف لا إليه
«في بيته يُؤتى الحَكَمُ» — المثل
نسبة الحكمة والرأي لصاحب البيت
٣.٤ المجاز المرسَل
المجاز المرسَل: استعمال اللفظ في غير ما وُضع له لعلاقة غير المشابهة، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي.
العلاقة
تعريفها
مثال
السببية
اللفظ يدل على سبب المعنى
«رعينا الغيثَ» — الغيث سبب النبات المرعيّ
المسببية
اللفظ يدل على مسبَّب المعنى
«أنزل الله الرحمة» — الرحمة مسبَّب المطر
الجزئية
اللفظ جزء يُراد به الكل
«أُرسل العيونَ في المدينة» — العيون: الجواسيس
الكلية
اللفظ كل يُراد به جزء
«جعل أصابعهم في آذانهم» — الأصبع: الأنملة
الماضوية
لفظ الماضي يُراد به ما سيكون
«أتى أمر الله» — الماضي للتحقق في المستقبل
المستقبلية
لفظ المستقبل يُراد به الماضي أو الحال
«وإذ يمكر بك الذين كفروا» — يمكر = مكروا
مقارنة دقيقة
الاستعارة علاقتها المشابهة ولا يجوز فيها إرادة الحقيقة. الكناية علاقتها الإلزام ويجوز فيها إرادة الحقيقة. المجاز المرسَل علاقته غير المشابهة ولا يجوز إرادة الحقيقة.
الكناية وحدها تجيز إرادة المعنى الأصلي مع لازمه — وهذا ما يميزها عن الاستعارة والمجاز المرسَل
غير الطلبي: التعجب، القسم، المدح والذم (نِعمَ/بِئسَ)، الرجاء، العقود
٤.٢ الخروج عن مقتضى الظاهر (الأساليب البلاغية للخبر والإنشاء)
الظاهر
المعنى البلاغي المقصود
مثال
أمر ظاهره الطلب
الإباحة / الدعاء / الإرشاد / التهديد / التمني
«كُلُوا وَاشْرَبُوا» — إباحة
نهي ظاهره المنع
التحقير / اليأس / التمني
«لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ…» — تنزيه النفس
استفهام ظاهره الطلب
إنكار / توبيخ / تعجب / تحقير / تقرير
«أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ؟» — امتنان
٤.٣ أسلوب النداء
النداء: طلب المتكلم إقبال المخاطَب عليه بحرف نائب مناب «أنادي». وله استعمالان: حقيقي (المنادى موجود يُقصد إقباله فعلاً) وبلاغي (يخرج عن طلب الإقبال إلى معنى آخر يُفهم من السياق).
حرف النداء
الاستعمال
مثال
يا
نداء القريب والبعيد (الأكثر استعمالاً)
«يا أحمد، أسرع!»
أ
نداء القريب فقط
«أبُنيّ، احترم والديك»
أيْ
نداء القريب
«أيْ صديقي، لا تتأخر»
أيا
نداء البعيد
«أيا مسافرًا، عُد سالمًا»
وا
الندبة (التوجّع والحزن)
«وا إسلاماه!»
حين يخرج النداء عن طلب الإقبال الحقيقي، يحمل معنى بلاغيًا يُفهم من السياق:
التحسّر
ينادى فيه ما لا يعقل تحسّرًا أو أسفًا على فواته.
«يا شبابي، أين ذهبت؟» — نداء الشباب الذي ولّى تحسّرًا عليه.
الزجر
ردع المنادى عمّا هو فيه.
«يا قلبَ حسبُكَ، كفى عشقًا» — زجر النفس عن استمرار الهوى.
الندبة
التوجّع على شيء فقده المتكلم، وتُستعمل لها غالبًا «وا».
«وا أسفاه على ما فات!» — تفجّع على أمر فائت.
الاستغاثة
طلب العون في شدة، ويُسبق المستغاث له بلام مفتوحة.
«يا للفقراءِ، أعينوهم» — طلب العون لصالحهم في ضائقتهم.
٤.٤ أسلوب النهي
النهي الحقيقي: طلب الكفّ عن الفعل بفعل مضارع مجزوم بـ«لا الناهية»، من الأعلى إلى الأدنى (وجه الإلزام). وقد يخرج عن هذا المعنى إلى أغراض بلاغية أخرى:
الغرض البلاغي
متى يُستعمل
مثال في المتناول
الدعاء
من الأدنى إلى الأعلى (العبد يطلب من ربه)
«ربَّنا لا تؤاخِذنا إن نسينا»
النصح والإرشاد
توجيه لما فيه مصلحة المخاطَب
«لا تسهرْ كثيرًا، فالنوم صحة»
الالتماس
بين نظيرين، لا إلزام فيه
«لا تنسَ صديقك يا زميلي»
التهديد والإنذار
تحذير من عاقبة الفعل
«لا تُهملْ دراستك وسترى نتيجتك!»
٤.٥ القصر
القصر: تخصيص أمر بآخر وحصره فيه. أهمُّ أدواته:
الأداة
البنية
مثال
إنَّما
إنما + الجملة
«إنما المرءُ بأصغريه»
النفي والاستثناء
نفي + إلا
«لا إله إلا الله»
العطف بـ(لا/بل/لكن)
المثبَت + لا + المنفيّ
«محمدٌ شاعرٌ لا كاتبٌ»
التقديم
تقديم ما حقه التأخير
«إياك نعبد» — تقديم المفعول للحصر
٤.٦ الإيجاز والإطناب والمساواة
الإيجاز
أداء المعنى بألفاظ أقل منه عادةً مع الوفاء به.
إيجاز القصر: التكثيف الشديد: «ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطلُ»
إيجاز الحذف: حذف ما يُفهم من السياق: «﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾» — حُذف المضاف
الإطناب
أداء المعنى بألفاظ أكثر منه عادةً لفائدة بلاغية.
التكرار: «كلا سوف تعلمون، ثم كلا سوف تعلمون»
الاعتراض: جملة اعتراضية بين الكلام لفائدة
التذييل: الإتيان بجملة تؤكد ما قبلها
الإيضاح بعد الإبهام: التشويق ثم الإيضاح
ذكر الخاص بعد العام: تخصيص جزء مهم بالذكر بعد التعميم لإبراز شأنه. «حافظوا على الصلوات والصلاةِ الوسطى» — خُصَّت صلاة العصر بالذكر لأهميتها رغم دخولها في العموم.
ذكر العام بعد الخاص: ذكر الخاص أولاً ثم إتباعه بالعام ليشمله بفضله. «احرصْ على صلاة الفجر وسائر الصلوات» — أُفرِدت الفجر بالذكر ثم عُمِّمت بقية الصلوات.
المساواة
مطابقة الألفاظ للمعنى المراد لا زيادة ولا نقصان.
يختم هذا الفصل الأبواب الثلاثة بعلم البديع، ويضيف بعدًا تطبيقيًا (تحويل المعرفة البلاغية إلى ممارسة صفية) يتجاوز حدود التوصيف الصارمة دون أن يخرج عن فرع «العروض والبلاغة» نفسه.
«الجِدُّ في الجَدِّ والحِرمانُ في الكسل» — جِدّ ↔ جَدّ (اختلاف في الشكل)
السجع: توافق الفاصلتين في النثر في الحرف الأخير.
«اللهم أعطِ كلَّ مُنفقٍ خَلَفاً، وأعطِ كلَّ مُمسكٍ تَلَفاً» — السجع في (خَلَف / تَلَف)
من كلام النبي ﷺ
التصريع: توافق عَروض بيت الشعر (نهاية الشطر الأول) مع ضربه (نهاية الشطر الثاني) في القافية والوزن.
«ألا ليتَ الشبابَ يعود يوماً / فأُخبرَه بما فعل المشيبُ» — يوماً / المشيبُ تصريع في البيت الأول من القصيدة.
٥.٣ البلاغة في تعليم اللغة العربية بالابتدائي
يُراعي المنهاج المغربي 2021 التدرج في تقديم المفاهيم البلاغية وفق مستويات:
المستوى
المفاهيم المستهدفة
نشاط مقترح
الأول والثاني
التشبيه البسيط بـ(مثل / كـ)
تحديد أداة التشبيه وطرفيه في جمل قصيرة
الثالث والرابع
التشبيه والمعنى المجازي للكلمات (تمهيد للمجاز)
الفرق بين المعنى الحقيقي والمجازي في الكلمة الواحدة
الخامس والسادس
الاستعارة المكنية، الكناية عن صفة، الطباق الواضح
توظيف صور بلاغية بسيطة في التعبير الكتابي
معيار الجودة
التدريس الجيد للمحسنات البلاغية يقوم على: (١) تقديم الصورة البلاغية من خلال نصوص حيَّة، (٢) توجيه المتعلمين نحو استخلاص الدلالة لا حفظ التعريف، (٣) الحرص على أن تكون الأمثلة مناسِبة للمرحلة العمرية ومنسجمة مع القيم التربوية.
المراجع
الجرجاني، عبد القاهر (ت471هـ). دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة. تح. محمود شاكر. مكتبة الخانجي.
الهاشمي، أحمد (ت1362هـ). جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع. مؤسسة المعارف، بيروت.
الجارم، علي وأمين، مصطفى. البلاغة الواضحة. دار المعارف، القاهرة.
القزويني، الخطيب (ت739هـ). الإيضاح في علوم البلاغة. دار الكتاب العربي.
وزارة التربية الوطنية، المغرب. (2021). منهاج السلك الابتدائي — مادة اللغة العربية. الرباط.
رائز قصير من 10 أسئلة، ينتقل من المفاهيم الأساسية إلى التطبيق. مباشرة بعد الإجابة يظهر التصحيح والتفسير، ويمكنك الاعتراض إذا رأيت أن الإجابة المقترحة خاطئة.