1. الديداكتيك: التعريف والتمييز بين العام والخاص
الديداكتيك يدرس شروط تعليم معرفة محددة وتعلمها: كيف تتحول المعرفة لتصبح قابلة للتدريس، وما التمثلات والعوائق التي يواجهها المتعلم، وكيف تنظم الوضعيات التي تساعد على بنائها. لذلك لا يقتصر على اختيار طريقة عامة للتدريس.
يميّز الباحثون المعاصرون في علوم التربية بين مستويين:
| المستوى | التعريف |
| الديداكتيك العامة | تهتم بكل ما هو مشترك وعام في تدريس جميع المواد، أي القواعد والأسس العامة التي يتعين مراعاتها من غير الأخذ بخصوصيات هذه المادة أو تلك. تسعى إلى تطبيق مبادئها ونتائجها وخلاصاتها على مجموع المواد التعليمية، وتهتم بدراسة القوانين العامة للتدريس وما يطرحه هذا الأخير من قضايا على مستوى النقل الديداكتيكي للمعرفة إلى معرفة مدرسية، وعلى مستوى المثلث الديداكتيكي وما يثيره من تفاعلات بين أقطابه الثلاثة (المتعلم، المدرس، المعرفة)، بما يقوم عليه العقد أو التعاقد الديداكتيكي من تحديد لمهام وأدوار ووظائف كل من المدرس والمتعلم. |
| الديداكتيك الخاصة | تهتم بالنشاط التعليمي داخل القسم في ارتباطه بالمواد الدراسية، من حيث الطرائق والوسائل والأساليب الخاصة بها؛ أي أنها تهتم بتخطيط التعليم والتعلم الخاص بمادة معينة أو مهارات أو وسائل معينة، مثل ديداكتيك مادة الاجتماعيات، وديداكتيك العلوم، وغيرها. |
ويمكن القول إجمالاً إن الديداكتيك العام يعالج القضايا والإشكاليات المشتركة العامة، أي يدرس العملية التعليمية التعلمية في مجملها بغض النظر عن المادة الدراسية المقررة، ويحاول وضع فرضيات واستخلاص القوانين وصياغة النماذج التي يمكن أن تفيد المدرس مهما كان تخصصه أو المادة التي يدرسها؛ بينما تعكس الديداكتيك الخاصة التوجه نحو مواضيع فائقة العناية بمواضيع تخصص معين وبإشكالياته، وذلك على حساب مواضيع وإشكاليات غيره من التخصصات.
2. المثلث البيداغوجي والمثلث الديداكتيكي
تنبيه اصطلاحي: يرتبط «المثلث البيداغوجي» غالبًا بنموذج Houssaye، بينما تستعمل الديداكتيكيات «المثلث الديداكتيكي» لصيغ قريبة تجمع المدرس والمتعلم والمعرفة. في الاختبار انتبه إلى المرجع والسياق.
يتمحور الفعل التربوي حول ثلاثة عناصر أساسية تنشأ عنها مجموعة من العلاقات التفاعلية المتداخلة فيما بينها:
- القطب السيكولوجي (المعرفة-المتعلم): محوره مفهوم التمثلات.
- القطب الابستمولوجي (المعرفة-المدرس): محوره مفهوم النقل الديداكتيكي.
- القطب البيداغوجي (المدرس-المتعلم): محوره مفهوم التعاقد الديداكتيكي.
تقترح بعض النماذج توسيع المثلث بإضافة وسيط مثل التكنولوجيا أو السياق. غير أن هذا التوسيع ليس بديلاً متفقًا عليه للمثلث، ولا يعني أن الأداة الرقمية تصبح قطبًا مستقلًا في كل تحليل؛ تحدد قيمتها الوظيفة التي تؤديها داخل علاقة المدرس والمتعلم بالمعرفة.
3. التمثلات (Représentations)
تُعرَّف التمثلات بأنها استحضار ذهني لأشياء ومواضيع غائبة، أو اكتمال المعرفة الإدراكية للأشياء الحاضرة أمامنا بالرجوع إلى أشياء غير حاضرة في تلك اللحظة يترجمها في شكل ملموس يمثل درجة عالية من التصور. وهي مجموعة من المعارف والمكتسبات والتصورات القبلية التي يبني عليها المتعلم معارف جديدة — بمعنى آخر، بنية عقلية قديمة تتفاعل مع معارف جديدة لتنتج بنية عقلية جديدة.
لا تُقسم التمثلات ببساطة إلى صحيحة وخاطئة؛ فقد يكون التصور مفيدًا في سياق، ثم يصبح عائقًا عندما يعمم خارج حدوده. يبدأ عمل المدرس بكشف منطق التصور ومصدره، ثم يهيئ وضعية تدفع المتعلم إلى مراجعته وبناء تفسير أدق.
تكمن أهمية التمثلات في كونها نقطة الانطلاق التي يبني عليها المدرس تخطيطه وتدبيره للأفعال التربوية والممارسات التعليمية في جميع المواد الدراسية، إذ تتيح للمدرس تبيّن المتعلمين وإعدادهم لتطوير وتغيير تمثلاتهم الأولية من خلال مناقشتها وتحديد مكامن الخلل فيها، وتحفيزهم للتساؤل والبحث عن معرفة أخرى لتصحيح أو إغناء تلك التصورات عن طريق الصراع المعرفي.
من أبرز تقنيات رصد التمثلات (قبل الدرس، خلال وضعيات إرساء الموارد، وبعد الدرس): ملاحظة القسم، الاستبيان، المقابلات، تقنية الجملة، تقنية الإقطيون (الرسم الحر)، تقنية الرسم، تقنية الأسئلة، تنويع وضعيات المواجهة، تقنية استعمال أسلوب المماثلة.
4. العقد الديداكتيكي والتعاقد البيداغوجي
العقد الديداكتيكي عند بروسو منظومة من التوقعات المتبادلة، وغالبًا الضمنية، التي تحدد ما ينتظره المدرس والمتعلم من بعضهما تجاه المعرفة. يظهر بوضوح عند اختلال هذه التوقعات، ولا يعني اتفاقًا مكتوبًا على قواعد القسم.
| العقد الديداكتيكي | التعاقد البيداغوجي |
| ضمني غالبًا | صريح غالبًا |
| مرتبط بعلاقة مدرس–متعلم–معرفة | مرتبط بقواعد العمل والتفاعل |
| يظهر عند الاختلال | يبنى بالتفاوض والاتفاق |
| مفهوم ديداكتيكي | أداة تنظيمية وتربوية |
فخ امتحاني
اتفاق الأستاذ والمتعلمين منذ بداية السنة على المشاركة واحترام الوقت هو تعاقد بيداغوجي، لا عقدًا ديداكتيكيًا.
آثار مرتبطة باختلال العقد
- أثر طوباز: يبسّط المدرس المهمة أو يضاعف التلميحات حتى ينجز العمل المعرفي الأساسي بدل المتعلم.
- أثر جوردان: يؤول المدرس سلوكًا أو جوابًا بسيطًا بوصفه دليلًا على معرفة أعمق مما تحقق فعليًا؛ كأن يقبل كلمة صحيحة بعد تلميح قوي ثم يحكم بأن المفهوم مكتسب.
- الاستعمال المفرط للمماثلة: تتحول أداة التقريب إلى بديل عن بناء المفهوم.
- الانزلاق الميتامعرفي: تصبح وسيلة الشرح أو الحديث عن التعلم موضوعًا بديلًا عن المعرفة المستهدفة.
سؤال مهني: قبل الحكم على تحقق التعلم، هل أنتج المتعلم الجواب باستقلالية، أم أن المدرس أسقط على استجابته معنى زائدًا؟
5. النقل الديداكتيكي (Transposition didactique)
استعمل عالم الاجتماع Michel Verret (ميشيل فيريه) المفهوم في السبعينيات، ثم طوّره Yves Chevallard (إيف شوفالار) داخل الديداكتيك. وهو التحولات التي تمر بها المعرفة حتى تصبح قابلة للتدريس والتعلم، وليس مجرد تبسيط لغوي.
السلسلة التي تحفظ
المعرفة العالمة ← المعرفة المراد تدريسها ← المعرفة المدرّسة ← المعرفة المتعلمة
- النقل الخارجي: من المعرفة العالمة إلى المعرفة المحددة في البرامج والكتب والوثائق.
- النقل الداخلي: من المعرفة المراد تدريسها إلى ما يقدمه المدرس فعليًا وما يبنيه المتعلم.
لا تخلط بين: النقل الديداكتيكي عملية تحول وانتقاء وإعادة تنظيم للمعرفة؛ أما التخطيط فينظم التدريس، والتقويم يجمع أدلة عن التعلم.
6. الوضعية-المشكلة
تحتوي الوضعية-المشكلة على مفهومين: المشكلة (صعوبة أو معضلة نظرية أو عملية يجب تجاوزها لإيجاد حل)، والوضعية (العلاقات التي تقيمها ذات المتعلم مع سياق معين، طبيعي أو اجتماعي). بشكل عام، تضع الوضعية-المشكلة المتعلم أمام مشكل معقد لا يملك له حلاً جاهزاً، أو أمام صعوبات يبدو مخرجها صعباً في البداية، مما يحفزه للبحث والتقصي قصد التوصل إلى حل معتمداً على ما لديه من مكتسبات.
عناصر الوضعية-المشكلة: السند (العناصر المادية المقدمة للمتعلم: نص، صورة... يحدَّد بالنظر إلى السياق والمرجعية والمعلومات/الموارد)، والمهمة (مجموع التعليمات الخاصة بما سينجزه المتعلم لتحقيق الوظيفة المحددة).
أنواع الوضعية-المشكلة: وضعيات البناء (وضعية الانطلاق/الاستكشافية بمرحلتيها: التمهيد وصياغة الإشكالية، ووضعية الاستثمار والهيكلة "الوضعية الديداكتيكية والمهيكلة")، الوضعية المشكلة التقويمية (تقويمات مواكبة للدرس، مندمجة، اختبارية دورية، اختبارية إشهادية)، والوضعية المشكلة الإدماجية (تأتي بعد تعلمات منفصلة لإيجاد ترابطات بينها وتركيبها في بنية جديدة، في نهاية الحصة أو مجموعة الحصص أو نهاية مقطع دراسي).
شروط صياغة الوضعية-المشكلة: واضحة، واقعية، ملائمة، تشاركية، قابلة للإنجاز، شاملة، ومحفزة — تحفز المتعلم على الانخراط في البحث عن حلول، وتجعل الموارد ذات صلة بما يعيشه المتعلم، وتُخوّل له وضع معارفه في سياق، وترتبط بكفاية معينة ملائمة للكفاية المستهدفة.
7. الهدف والعائق الديداكتيكيان
وضع الباحث الفرنسي مارتينالد (Martinand) مصطلح "هدف-عائق" (objectif-obstacle) المرتبط بحقل ديداكتيك العلوم الفيزيائية والطبيعية، وهو مصطلح مركّب من لفظ "هدف" (objectif) المأخوذ بيداغوجيا من الأهداف، ولفظ "عائق" (obstacle) المستمد إبستيمولوجياً من باشلار (Bachelard)، الذي صاغ مفهوم العوائق الإبستيمولوجية أصلاً.
يُعرَّف الهدف التعليمي بأنه سلوك مرغوب فيه يتحقق لدى المتعلم بفعل نشاط يزاوله كل من المدرس والمتعلمين، وهو سلوك قابل لأن يكون موضع ملاحظة وقياس وتقويم (الهدف التعليمي = قدرة + محتوى). ومن أبرز مصادر اختيار الأهداف: فلسفة التربية، فلسفة المجتمع وتطلعاته، حاجيات المتعلمين وخصائصهم النمائية، ظروف التعلم ووضعياته، والمنهاج والمقرر الدراسي وطبيعة المادة المدرسة.
8. مراقي المعرفة — بلوم الأصلي والمنقح
بلوم الأصلي: المعرفة ← الفهم ← التطبيق ← التحليل ← التركيب ← التقويم. أما النسخة المنقحة عند Anderson وKrathwohl فتستعمل أفعالًا: التذكر ← الفهم ← التطبيق ← التحليل ← التقويم ← الإبداع. لذلك لا يكفي القول إن «التركيب استُبدل بالإبداع»؛ فقد تغير ترتيب المستويين الأعلى، وأضيف بعد لأنواع المعرفة.
مفتاح السؤال: «يلخص» يرتبط غالبًا بالفهم، و«يفكك ويميز العلاقات» بالتحليل، و«يحكم وفق معايير» بالتقويم، و«ينتج بناء جديدًا» بالإبداع.