النص النقدي منقول كتابةً من صفحات الموضوع الأصلية 1 و2 وبداية الصفحة 3، ويمكن تحديده ونسخه والبحث داخله.
نص الانطلاق
إن استيعاب التطور الحالي في اتجاهات الفكر النقدي المعاصر، لا يمكن أن يكون وافيا ودقيقا إلا من خلال منظور تطوري وشامل لتاريخ النقد الأدبي وخلفياته المنهجية الممتدة في الماضي، كما أن حصول هذا الاستيعاب لا يستغني أيضا، عن تتبع الخطوات التي قطعتها النظرية الأدبية؛ لأنها شديدة الارتباط بالتحولات الحاسمة التي شهدتها مناهج التحليل وممارسات النقد الأدبي على السواء.
لكل هذه الدواعي، كان من الضروري تلمس البدايات الأولى للممارسات النقدية الشفوية التي كانت في مجملها عبارة عن أحكام قيمية؛ لكنها تعبر في الوقت ذاته عن "الخبرة النقدية العفوية"، إذ تجمع على صعيد واحد بين المعارف المكتسبة في الحقل الثقافي العام للمرحلة، وبين الذائقة الجمالية التي تكونت لدى بعض ذوي الخبرة الفنية والأدبية. هذا النمط من النقد الشفوي مثل، في الواقع، المرحلة ما قبل التعليلية للممارسة النقدية الأدبية. لقد بدا لنا أن الثقافة العربية، ممثلة في تقويم الأشعار، قدمت أمثلة بارزة على هذا النوع الخاص من الممارسة النقدية الشفوية التي تتميز بالعفوية وتخليق الثقافة الأدبية وتنمية القدرة الحسية على تقويم الخصائص الجمالية في الشعر العربي القديم. وقد اعتبرنا هذه الحالة نموذجا متميزا لما يمكن أن نطلق عليه "طفولة النقد الأدبي"، تجلت من خلال الأحكام التقويمية المباشرة التي كان أمثال النابغة الذبياني يصدرونها في سوق عكاظ.
والأكيد أن ماضي النقد العربي، سواء في بداياته الذوقية والحدسية أم في نماذجه المتطورة من القرن الثاني إلى أواخر القرن الخامس للهجرة، كان ماضيا موصولا بالتطور الذي أتى بعده في مناهج النقد الأدبي الحديث والمعاصر وممارساته. ونحن هنا، لا نفصل بين تطور الثقافة النقدية العربية وتواصل هذا التطور في الثقافة الغربية، ذلك أن الموروث الثقافي العربي الأساسي في النقد والأدب قد تم نقله عن طريق الترجمات المبكرة إلى حقل الثقافة الغربية فتفاعل معها، مثلما تفاعلت معها مختلف ثقافات الشعوب الأخرى.
لكل هذا، لن نشعر بأن هناك حدودا صارمة بين الثقافة العربية والثقافات الأخرى. كما تم اعتبار جميع مظاهر التطور الحاصلة في مسار النقد العربي الحديث استمرارا لرصيد النقد الأدبي ومناهجه، وللنظرية الأدبية التي كانت قد بدأت في التشكل خلال العصور السابقة في الثقافتين اليونانية والعربية على السواء. وهذا ما يؤكد المكانة المتميزة للمجهودات المنهجية في الثقافة العربية في التطور العام للمناهج والنظريات عبر التاريخ الثقافي العالمي. فقد آن الأوان للقول بأن المعرفة المعاصرة ليست غربية بشكل مطلق، وأن الإرث العربي الإسلامي وثقافات جميع حضارات الأمم السالفة تشكل فيها مكونا أساسيا.
لقد حصل في الفكر النقدي الأدبي العربي تطور هائل في كثير من المناهج التي حاولت استيعاب الظاهرة الأدبية، سواء من حيث البنية الداخلية لتكوين الفنون، وأهمها الشعر والخطابة، أم من حيث استيعاب الشروط التاريخية والفردية لمختلف مبدعي الأنواع الأدبية. فالبلاغة مثلا، بمختلف فروعها ومباحثها شكلت قمة ما وصل إليه الدرس النقدي في تاريخ الثقافة العربية، كما مثل النقد الإخباري فرعا مهما من الدراسات النقدية للأدب بكل ما كان يتميز به من موسوعية وشمولية، ولكن اتجاهات نقدية أخرى بقيت في حاجة إلى مزيد من التعمق، ومنها على سبيل المثال، الدراسات النفسية والاجتماعية للأدب.
فجميع الحقول النقدية العربية رسمت معالم المستوى الثقافي الذي بلغته الحضارة العربية الإسلامية، وكل حقل منها كان يستدعي في الحاضر ما يجعله يتطور من الداخل أو يعدل مساره ليواكب مسارات الدراسات النقدية المعاصرة. هكذا دعتنا البلاغة العربية القديمة، بقدرتها الفائقة على تحليل الظواهر الجمالية والبنى التخيلية، إلى الاستفادة من الأسلوبية والبنيوية والشعرية، كما أن الرغبة في تجاوز معيارية البلاغة القديمة جعلتنا ننشد حرية الإبداع ونتطلع إلى دراسة مقارنة معمقة بين البلاغة نفسها والأسلوبيات المعاصرة غير المعيارية. والبلاغة بما لها أيضا، من اهتمام خاص بالبنى النصية استدعت بشكل طبيعي الاستفادة من البنيوية المعاصرة والسيميائيات الحديثة.
أما شمولية الدراسات النقدية الإخبارية العربية القديمة، فقد جعلتنا نحس بأنها كانت تعاني من يتم نظري ومن تصور فضفاض للتاريخ، بحكم تأخر ظهور النظرية الخلدونية، وهذا ما دفع النقاد العرب في العصر الحديث إلى التسارع نحو المنهج التاريخي لجوستاف لانسون الذي كانت تقف خلفه فلسفات مثالية ووضعية، ودفعهم ذلك أيضا، إلى الاحتفاء بالمناهج الاجتماعية التي نبتت في حضن فلسفات مادية وغير مادية خارج جغرافية البلاد العربية، وذلك من أجل إتمام النقص الحاصل في هذا الجانب. كما وجد بعض النقاد العرب في القرن العشرين ضالتهم المنشودة، لتعميق الجانب النفسي في الدراسات الأدبية، في الأبحاث النفسية العامة والدراسات النفسية الفرويدية وغيرها، ومكنهم هذا من إعادة تسليط الضوء على حياة بعض الأدباء كابن الرومي وأبي العلاء المعري، وأشعارهم.
هكذا كان الفكر النقدي الأدبي العربي ينفتح تلقائيا على مجمل مسارات التطور الهائل الذي حصل في المناهج والنظريات الأدبية المعاصرة، وما زال إلى الآن يواصل تطوره بفعل الترجمات والاتصال المباشر باللغات العالمية وثقافاتها المتنوعة.
حميد لحمداني، الفكر النقدي الأدبي المعاصر: مناهج ونظريات ومواقف،
مطبعة أنفو - برانت، فاس، الطبعة الثالثة، 2014، ص. 3 وما بعدها (بتصرف).