ديداكتيك علوم الحياة والأرض — الثانوي الإعدادي
منهج الاستقصاء العلمي (démarche d'investigation) في تدريس علوم الحياة والأرض بالثانوي الإعدادي.
أهداف الوحدة
- معرفة المرتكزات المنهجية والديداكتيكية الرسمية لتدريس المادة.
- التمييز بين مكونات المادة ومقارباتها البيداغوجية.
- توظيف هذه المرتكزات في الإجابة عن أسئلة المباراة.
خصّ الاهتمام المتزايد بأجواء العالم كافة، في ظل مناخ دولي يميل إلى العولمة وتبادل التجارب والميادين ومنها ميدان التربوي، المقاربة بالكفايات باهتمام خاص. ولقد جاء هذا الاهتمام بهدف جعل التعليم الغرض الأساسي منه والمتمثل في تعبئة الفرد قصد تمكينه من التكيف في أحسن الظروف بالمهمات التي يتكلف بها إنجازها، بدل تكديس معلومات غير وظيفية لا طائل منها.
اعتمدت بلادنا أسوة بكسائر أغلب دول العالم مقاربة التدريس بالكفايات، ويتجلى ذلك فيما جاء به الميثاق الوطني للتربية والتكوين والكتاب الأبيض حيث تنص هذه المرجعيات على ضرورة ملاءمة التكوين المدرسي لحاجيات المجتمع وفرص الشغل من خلال تحديد دقيق لمواصفات تتحقق في نهاية كل مرحلة تعليمية.
مقارنة المقاربة بالكفايات والمقاربة بالأهداف
| متغيرات فعل التدريس | التدريس بالأهداف | التدريس بالكفايات |
|---|---|---|
| التعلم | تعلم مرتكز أساساً على المعارف | تعلم مرتكز أساساً على المهارات والقدرات |
| تحديد دقيق وإجرائي لأهداف التعلم؛ تجزيء التعلم (أهداف غير مندمجة) | تعلم شمولي بواسطة أهداف نوعية إلى غاية عامة؛ تعلم مندمج (معارف، مهارات، مواقف...) | |
| تعلم بمرجعية علم النفس السلوكي-التكويني؛ تعلم عبر تمارين نظرية | تعلم بمرجعية علم النفس المعرفي؛ تعلم بواسطة أنشطة تطبيقية | |
| التلميذ | يلاحظ بسهولة النتائج المتوخاة؛ إثارة بتحفيز خارجي | يلاحظ بصعوبة النتائج المتوخاة؛ إثارة بتحفيز داخلي؛ متمركز على أنشطة تؤمن التعلم |
| التعليم | تعليم إلقائي ثم نشيط؛ مقاربة تحليلية؛ تخطيط الأنشطة حسب المحتويات ثم حسب الأهداف؛ قياس موضوعي يتضمن أحكام قيمة | تعليم تفاعلي محوره حول التقويم التكويني؛ مقاربة شمولية ونسقية؛ تخطيط الأنشطة حسب الكفايات ثم حسب المحتويات؛ قياس كيفي |
| البحث عن اندماج التعليم والتعلم والتقويم؛ تقويم عبر أسئلة وأحياناً بواسطة مشاريع | يقوّم مهام مندمجة؛ صعوبة قياس صدق النتائج؛ يعطي نتائج حسب درجة التحكم في الكفايات واستراتيجيات التعلم |
تعريفات الكفاية عند مختلف الباحثين
| الباحث | التعريف |
|---|---|
| Tardif | الكفاية عملية نشيطة تهدف إلى اكتساب وإدماج معارف جديدة ذات طابع عقلي واجتماعي وحركي واستخدامها بشكل وظيفي |
| Sandra Michelle | تفصل الكفاية في مدلولها العام باعتبارها كل ما يتيح حل المشكلات المهنية في سياق خاص عن طريق تعبئة مختلف القدرات بكيفية مندمجة |
| Viviane Delandsheer | للكفاية صلة بالممارسة والفعل، فالأنشطة التي يؤديها الفرد لا يعني أن تطبيق النشاط يعادل الكفاية أو معادلاً لها، وإنما هو مؤشر عليها |
| Leboterf | الكفاية هي حسن التصرف (savoir-agir) التي تتجلى في معرفة جنيد (savoir-mobiliser) ودمج المعارف والسلوكات والقدرات والمهارات في سياقات ووضعيات مرجعية |
| Perrenoud | الكفاية تعني القدرة على التدخل الفعال لمواجهة مجموعة من الوضعيات، عن طريق التحكم في معارف ضرورية على تعبئتها بالشكل المناسب وفي المكان والوقت المطلوب للتعرف على مشاكل حقيقية وحلها |
| Xavier Roegiers | "La possibilité pour un individu de mobiliser de manière intériorisée un ensemble intégré de ressources en vue de résoudre une famille de situations-problèmes" — أي إمكانية جَنيد (تعبئة) مجموعة مندمجة (تعبئة) من الموارد (معارف ومهارات ومواقف) مستبطنة بكيفية بهدف حل فئة من الوضعيات-مسألة |
خمس خاصيات جوهرية للكفاية
| الخاصية | مضمونها |
|---|---|
| تعبئة مجموعة موارد مندمجة | التمكن من امتلاك معارف ومهارات وخبرات وتقنيات تتفاعل بينها ضمن مجموعة مدمجة، لا يكفي توفر التلميذ على كل الموارد الخاصة بكفاية ما |
| الوظيفية (optimisation) | يبقى امتلاك التلميذ معارف ومهارات ومواقف دون معنى إذا لم تستثمر في نشاط أو في إنتاج أو محفز أو في حل مشكلة تعترضه في المؤسسة أو حياته العامة |
| العلاقة بفئة من الوضعيات | الكفاية لا يمكن أن تمارَس إلا في إطار فئة من الوضعيات المتكافئة (مادة أو مجال مدمج)؛ تمارسة الكفاية عبارة عملية اختيار الموارد الملائمة للوضعيات وترتيبها واستثمارها في اقتراح حلول متعددة للمشكلة |
| الارتباط بمحتوى دراسي | يتجلى في كون الكفاية مرتبطة بفئة من الوضعيات تتطلب حلها استثمار موارد مكتسبة عبر محتوى دراسي معيّن، ويمكن أن يندرج ضمن مادة واحدة أو عدة مواد |
| القابلية للتقويم (Evaluabilité) | إمكانية قياس جودة إنجاز التلميذ لوضعية-مسألة، حل مسألة، إنجاز مشروع...، وتتم تقويم هذه الكفاية بنتيجة المهمة المحددة سلفاً وفق معايير (جودة المنتوج، دقة الإجابة...) أو بسيرورة الإنجاز (مدة الإنجاز، درجة استقلالية التلميذ، تنظيم المراحل...) أو هما معاً |
تُعتبر الوضعية-المسألة عنصراً مركزياً في إطار المقاربة بالكفايات، وتمثل المجال الملائم الذي تُنجَز فيه أنشطة تعلمية متعلقة بالكفايات، أو أنشطة تقوّم الكفاية نفسها.
مفهوم الوضعية-المسألة حسب Xavier Roegiers
تتكون الوضعية-المسألة من عنصرين أساسيين:
| العنصر | تعريفه |
|---|---|
| وضعية (situation) | خيال إلى الذات في علاقتها بسياق معين (contexte)، أو حدث (évènement) — مثال: خروج المتعلم في نزهة، زيارة مريض، اقتناء منتوجات، عيد الأم، اليوم العالمي للمدرس |
| مسألة (problème) | تتمثل في استثمار معلومات أو إنجاز حاجز مهم أو خطأ حاجز لتلبية حاجة ذاتية عبر مسار غير بديهي (مثال: المشاكل المقترحة في العلوم) |
وتحدث الوضعية-المسألة، في الإطار الدراسي، خلخلة للبنية المعرفية للمتعلم، وتساهم في إعادة بناء سلسلة من التعلمات ضمن مخطط.
مميزات الوضعية-المسألة
- تمكِّن من تعبئة مكتسبات وليست مضافة لبعضها البعض؛
- توجه التلميذ نحو إنجاز مهم داخل محيطه (اجتماعي وثقافي...)، كما أنها ذات دلالة بالنسبة للمسار التعلمي للتلميذ أو بالنسبة لحياته اليومية أو المهنية؛
- خيال إلى صنف من المسائل الخاصة بمادة أو بمجموعة مواد؛
- تعتبر جديدة بالنسبة للتلميذ عندما يتعلق الأمر بتقويم الكفاية.
وتعمل هذه المميزات على التمييز بين التمرين التطبيقي كقاعدة نظرية من جهة، وبين حل الكفاية في ممارسة الكفاية من جهة أخرى.
مكونات الوضعية-المسألة: عنصران أساسيان
| المكوّن | مضمونه |
|---|---|
| السند أو الحامل | يتضمن كل العناصر المادية التي تُقدَّم للتلميذ، وتتمثل في: السياق (المجال الذي تُمارَس فيه الكفاية، سياق عائلي أو سوسيوثقافي أو مهني، ويتحدد السياق عند وضع السياسة التربوية: التوجهات والاختيارات التربوية)؛ والمعلومات (التي سيستثمرها التلميذ أثناء الإنجاز، وقد يستغل بعضها في الحل فتُسمى معلومات مشوشة، تتمثل أهميتها في تنمية القدرة على الاختيار) |
| الوظيفة والمهمة | الوظيفة تتمثل في تحديد الهدف من الوضعية بما يحفز التلميذ على الإنجاز؛ والمهمة (Consignes) تتمثل في مجموع التعليمات التي تحدد ما هو مطلوب من المتعلم إنجازه، ويُستحسَن أن تتضمن أسئلة مفتوحة تتيح للتلميذ فرصة إشباع حاجاته الشخصية (كالتعبير عن الرأي، اتخاذ المبادرة، الوعي بالحقوق والواجبات، المساهمة في الشأن الأسري والمحلي والوطني) |
ثلاث وظائف للوضعية-المسألة
| الوظيفة | مضمونها |
|---|---|
| وظيفة ديداكتيكية | تتمثل في تقديم إشكالية لا يُفترَض حلها منذ البداية، وإنما تعمل على تحفيز التلميذ لينخرط بشكل إيجابي في بناء التعلم |
| وظيفة تعلم الإدماج | يتعلق الأمر بتعلم إدماج الموارد (التعلمات المكتسبة) في سياق خارج سياق المدرسة |
| وظيفة تقويمية | تتحقق عندما تقترح وضعية-مسألة جديدة، بهدف تقويم قدرة التلميذ على إدماج التعلمات في سياقات مختلفة، وفق معايير محددة؛ ويعتبر النجاح في حل هذه الوضعية-المسألة دليلاً على التمكن من الكفاية المحددة |
كما أن للوضعية-المسألة وظائف أخرى منها: بناء وتحويل المعارف وتنمية القيم والاتجاهات، ودعم التفاعل بين المواد، وتنمية القدرة على الخلق والإبداع.
مفهوم القدرة (Capacité) عند Meirieu
يعرّف Meirieu القدرة بأنها: "نشاط ذهني وقابل لإعادة استعماله في مجالات مختلفة، وتُستعمَل لفظة القدرة كمرادف للمهارة. كما أن القدرة لا توجد في حالة مطلقة إلا من خلال تطبيقها على محتوى". فقدرات المقارنة والتصنيف والتحليل والتركيب... لا تتجسد إلا من خلال محتوى محدد: تحليل نتائج قياسات، تحليل رسوم بيانية، تمثيل رسم أو صورة.
| صنف القدرات | أمثلتها |
|---|---|
| قدرات معرفية | تصنيف، مقارنة، نقد، تركيب (تصنيف بلوم Taxonomie de Bloom) |
| قدرات حس حركية | تمثيل بياني (تصنيف سمبسون Taxonomie de Simpson) |
| قدرات سوسيو وجدانية | إنصات، تنظيم العمل ضمن مجموعة (تصنيف كراتوول Taxonomie de Krathwohl) |
الأهداف التعلمية (Objectifs d'apprentissage)
الهدف التعلمي هو ممارسة قدرة على محتوى معين، فقدرة الكتابة تعتبر لدى معلم موضوع تعلم مثلما كون قانون تعلم مرتبطاً بضبط لتوجيه وتقويم أنشطته باعتباره منشطاً ووسيطاً، وأنشطة التلاميذ باعتبارها عوامل أساسية في العملية التعليمية. ويتم تصنيف الأهداف الخاصة إلى معارف ومهارات ومواقف تبعاً لطبيعة القدرة:
| المكوّن | تعريفه |
|---|---|
| المعارف (savoirs) | وتتمثل بالنسبة لمادة ما في ممارسة القدرات المعرفية على موضوع التعلم |
| المهارات (savoir-faire) | وتتمثل في تطبيق قدرة حس حركية على موضوع التعلم، ويتم تطويرها خلال التمرن، وتتمثل أهمية تنويع مواضيع تعلم هذه المهارة في تمييزها عن المعرفة |
| المواقف والاتجاهات (savoir-être) | ويمكن الحصول عليها بتطبيق قدرة سوسيو وجدانية على موضوع تعلم، كالإنصات إلى الاقتراحات إلخ...، والتعود على البحث عن معنى كلمة |
شروط التدريس بالكفايات: جعل ما يتعلمه التلميذ وظيفياً
ما يتعلمه التلميذ في المدرسة لن يتم وظيفياً إلا إذا نشأ عن وضعيات قريبة من الواقع المعيش للتلاميذ. في إطار القيام بمشاريع أو البحث عن الحلول المناسبة لمشاكل معينة تُحفِّز المتعلمين على الإقدام على البحث والتقصي وفق منهجية واضحة. فالهدف هنا ليس تكديس المعلومات وإنما التدرب على مواجهة الإشكاليات مع ما يتطلبه ذلك من اكتساب معارف ومهارات وتقنيات... والقدرة على خزينها في الذاكرة وتعبئتها بشكل مندمج عند الحاجة. ومن هذا المنطلق، تُبنى الوضعيات التعلمية على الشكل التالي: العمل على خلق وضعية مسألة تثير اهتمام التلاميذ وحثهم على طرح التساؤلات؛ الدفع بالتلاميذ إلى الإدلاء باقتراحاتهم ومناقشتها مع زملائهم؛ طرح الفرضيات والقيام بأنشطة تربوية (تجارب، ملاحظات، تقصّيات، بحوث) لاختبار مدى صحة الفرضيات المطروحة؛ التوصل إلى الاستنتاجات المرغوب فيها؛ توسيع مجال صلاحية الاستنتاجات المتوصل إليها (تعميم) وذلك ليشمل وضعيات أخرى مشابهة.
تكوين النظرة الشمولية لدى المتعلمين: الربط العمودي والأفقي
| الربط | مضمونه |
|---|---|
| الربط العمودي | يتم في بداية الحصة بالتذكير بالمعارف المدروسة سابقاً والتي لها علاقة بالموضوع؛ يفيد في تعميق التلاميذ وتصحيحها وتكون قاعدة متينة لترسيخ المعلومات والمهارات المتوخاة |
| الربط الأفقي | يتم خلال الحصة بالربط بين مختلف الفقرات التي تخدم نفس المفاهيم و/أو نفس الكفايات، الشيء الذي يساعد التلميذ على تكوين نظرة شمولية حول المواضيع المدروسة ويمكّنه من توظيف المكتسبات في وضعيات مخالفة |
أنشطة التعلم الأربعة (Activités d'apprentissage)
| النشاط | مضمونه |
|---|---|
| التقديم (présentation) | طرح وضعية مسألة جديدة؛ تقديم الأهداف المتوخاة من الحصة لاحقاً؛ تقديم وثيقة (صورة، رسم، نص...) أو شيء (آلة، جسم مادي...) للملاحظة؛ اقتراح أنشطة تربط المكتسبات السابقة بموضوع التعلم |
| التطوير (développement) | يتمثل في استثمار القدرات العقلية والحس حركية للتلميذ، بهدف التوصل إلى التعلمات الأساسية وفهم دلالاتها ودمجها مع التعلمات السابقة؛ استخلاص موضوع التعلم في إطار ما هو خاص إلى العام (تعريف، قاعدة...) |
| التطبيق (application) | تمارين تطبيقية تتعلق بمعرفة الموضوع واستعماله داخل وخارج المؤسسة التعليمية؛ تمارين لتقويم التلميذ لموضوع التعلم؛ أنشطة التقويم، وخصوصاً التقويم التكويني والتقويم التكويني الذاتي |
| الإدماج (intégration) | يتمثل في إضافة التعلمات المحصَّلة إلى المكتسبات القبلية للتلاميذ، بطريقة تفاعلية عبر: ربط علاقات بين مختلف التعلمات؛ تحويل المكتسبات المحصَّلة إلى وضعيات جديدة خاصة بالمادة أو بمادة أخرى؛ إنجاز أنشطة إدماج التعلمات في وضعيات مستقلة من المحيط؛ تقويم قدرة التلميذ على إدماج التعلمات |
ويُخصَّص فترة (أسبوع مثلاً) لتدريب التلاميذ على الإدماج، عند نهاية حصيلة معينة من التعلمات العادية، ويمكن تخطيط أنشطة الإدماج المرتبطة بالكفاية بالتدرج وفق مراحل تعلم الكفاية.
تساهم حصص علوم الحياة والأرض في التكوين الفعلي للمتعلم، إذ أنها تهتم بالطرائق والمهارات والتقنيات التي تمكّن المتعلم من بناء المفاهيم العلمية: التحكم في تقنيات الملاحظة والتجريب، تحسين التواصل الشفهي والكتابي والبياني، تنمية القدرة على التحليل والاستدلال والتجريد والتعميم.
مبادئ مقاربة الكفايات في الحصة
- اعتبار المعارف ليست أهدافاً في حد ذاتها بل أدوات تتم تعبئتها عند ظهور الحاجة إليها؛
- الاهتمام باكتساب القيم والمواقف والمنهجيات والمهارات مع المعارف بشكل مندمج؛
- اعتماد التدريس بالوضعيات المسائل لتمرين المتعلمين على تحديد المشكل والتفكير في إيجاد الحل المناسب له؛
- حث التلاميذ على تذكر الخطوات المتبعة أثناء البحث قصد الاستئناس بالمنهج العلمي وبطرق الاستدلال المميزة له؛
- مد الجسور بين مختلف المواد لتحقيق نظرة شمولية حول الظواهر المدروسة؛
- التشجيع على استعمال المعلومات والمنهجيات المكتسبة في وضعيات أخرى جديدة وقريبة من الواقع المعيش؛
- تدريب التلاميذ على تنظيم المعارف لحل المشكل المطروح.
تقنيات ووسائل الملاحظة والتجريب
يُعتمد في حصص علوم الحياة والأرض على الملاحظة والتجريب لدراسة الظواهر الطبيعية، ولهذا وجب تدريب المتعلمين على الملاحظة بالعين المجردة، وعلى حسن استعمال وسائل وتقنيات الملاحظة والتجريب: انطلاقاً من إنجاز التجارب والمناولات باستعمال الأدوات البصرية (مكبر يدوي، مجهر...)، والتوظيف الصحيح والسليم للأدوات المخبرية والميدانية. ويجب عدم الاقتصار على الملاحظة غير المباشرة إذا توفرت ظروف القيام بالملاحظة المباشرة، إذ يعيّن منح الأولوية إلى ما هو حقيقي؛ أما النماذج الشراحية والأشرطة والصور والفوتوغرافية فتُستغَل لتعزيز الملاحظة المباشرة أو لتعويضها عند الاقتضاء عندما يكون هناك إفراط في عددها أو ألا يستغرق عرضها وقتاً طويلاً.
ويتطلب التوفق في إنجاز الأشغال التطبيقية أن يقوم الأستاذ بجرد شامل للتجارب والمناولات الخاصة بالبرنامج الدراسي، يطلع من خلاله على الأدوات والإمكانيات المتوفرة بمختبر المؤسسة، ويعمل على إثرائه بعينات من الصخور والمستحاثات والحيوانات والنباتات وبتراكيب جذرية ووثائق متنوعة.
التواصل الشفهي والكتابي والبياني
يهدف حصص علوم الحياة والأرض إلى المساهمة في تنمية قدرات المتعلمين على الكفايات التواصلية وتدريبهم على استعمالها: التعبيرين الشفهي والكتابي السليمين لغوياً وعلمياً لترجمة الأفكار والملاحظات والرسوم والمبيانات والجداول والتخطيطية؛ والتعبير البياني لترجمة حصيلة الملاحظات التي يتيح للمتعلم فرصة التدرب على تقنية التعبير البياني الذي يمتاز عن باقي أشكال التعبير والوضوح بالدقة، ومن فوائد هذا الشكل التعبيري كونه يتيح للمتعلم فرصة تذكر تمثلاته الجردة وتنمية قدرته على التحويل وتنمية مهارات التنسيق بين الإبصار والحركات اليدوية. وينبغي أثناء إنجاز الرسوم والتبيانات حث المتعلمين على مراعاة تناسب أبعاد الأشياء المراد رسمها وإقصاء التفاصيل الثانوية.
الدراسات الميدانية والزيارات
تستوجب بعض وحدات البرنامج كدراسة الظواهر الجيولوجية والأوساط الطبيعية، الاتصال المباشر بالطبيعة، ونظراً لما لهذه الدراسات الميدانية من أهمية في جعل المتعلم في اتصال مباشر مع بيئته من خلال ملاحظة الظواهر الطبيعية وتأثيراتها على المناطق الطبيعية والزيارات، يتعين على الأستاذ احترام الإجراءات الإدارية التالية قبل القيام بأية دراسة ميدانية: إشعار رئيس المؤسسة بموعد الخرجة ومسيرها وتاريخ إجرائها أسبوعاً واحداً قبل هذا التاريخ، وعلى رئيس المؤسسة أن يعين من بين الحاضرين أو المعيدين من يسهر جانب الأستاذ على ضبط النظام وضمان سلامة المتعلمين. وتذكّر مذكرة صادرة عن الكتابة العامة لوزارة التربية الوطنية بتاريخ 25 نونبر 1971 بأن: "التلاميذ يوجدون في حالة تأمين مجرد ما يتعاطون لنشاطات مدرسية أو نشاطات موازية تحت حراسة أو إشراف أساتذتهم"، كما أن مسؤولية الأستاذ والإدارة هي الأخرى خاضعة لنفس التأمين.
ومن أهداف الخرجات الميدانية: زيارة موقع الخرجة عدة مرات للإلمام بمختلف الظواهر الجيولوجية والبيئية التي ينوي مع متعلميه استثمارها؛ تهييء الأدوات اللازمة للدراسة الميدانية؛ تحسيس المتعلمين بأهمية احترام حيوانات ونباتات البيئة وشروط السلامة. كما يمكن القيام بزيارات مؤسسات ذات طابع علمي كحدائق الحيوانات التجريبية للاستثمار الفلاحي ومحطات معالجة المياه ومراكز خزّان الدم ومصانع المشروبات والمصبرات وتعاونيات الحليب، لتعزيز المفاهيم المدروسة داخل القسم وربط الدراسة بالواقع المعيش.
النهوج العلمية: لماذا تقسيم المحتوى إلى مواضيع محورية؟
قبل الشروع في معالجة موضوع معين، يحدد الأستاذ بدقة كيفية تقديم المقاطع التعليمية التي يتضمنها هذا الموضوع، ويختار النهج أو النهوج الملائمة لمعالجتها. فقد أصبح التقديم الأحادي المتجاوز للموضوع لا يؤدي إلا إلى تكدس معلومات مجزأة يصعب على المتعلم تعميمها قصد استيعابها ديناميكيا؛ لذلك تم تقسيم الوحدات إلى مواضيع يُنبَغي التعامل معها بكيفية محورية (thématique) تُيسِّر إدماج معارف وقدرات ومهارات ومواقف واتجاهات جاهزة المتعلم في تصرفاته اليومية وبيئته.
وتتميز مادة علوم الحياة والأرض بطابعها التجريبي، إذ تفرض تبني نهوجاً تعكس مراحل التفكير العلمي كالنهج الفرضي الاستنباطي والنهج التاريخي والنهج التجريبي المتمثل في المخطط الموالي:
النهج الفرضي الاستنباطي: ينطلق من صياغة "المشكل" (بالاستناد إلى الملاحظة والمراجع النظرية والتجربة)، ثم اقتراح "الفرضية" لتفسيره، ثم استنباط علاقة تضمينية منها، ثم اختيار العلاقة المستنبطة بواسطة الملاحظة أو التجربة، مما يفضي إلى تأكيد الفرضية (يوسّع مجال صلاحيتها لتصبح قانوناً) أو تفنيدها (فيُعاد تحديد المشكل بدقة أو صياغة فرضية جديدة).
المفاهيم العلمية: بناؤها ووظيفة التمثلات فيها
تعرف الساحة المعرفية انفجاراً كبيراً، ولقد فرض هذا التطور الهائل والسريع للمعرفة على مخططي المناهج التربوية الاهتمام بأساسيات المعرفة كأجاه معاصر لبناء البرامج الدراسية. ويعتمد فهم أساسيات المعرفة على استيعاب المفاهيم التي تلخص الصفات المشتركة والخاصيات الموجودة بين الحقائق الجزئية والعلاقات بينها، ولهذا أصبح تحديد المفاهيم العلمية ضرورياً لاستيعاب أساسيات علوم الحياة والأرض من طرف المتعلم.
خطوات بناء المفهوم العلمي
يستدعي بناء المفاهيم العلمية تدريب المتعلم على التجريد والتعميم. إذ إن المفهوم يتجلى في التمثل الفكري الخاص بالمواصفات المشتركة لمجموعة من الأشياء، وهو يبنى انطلاقاً من عمليتي التجريد والتعميم يتطلب عدم الاكتفاء بمثال واحد، بل يتعين العمل على تعداد الأمثلة خلال الحصص لكي يمكّن من فصل الدعامة الحسية عن المفهوم في بنائه. ويبرز هذا أهمية هذه الخطوة الأخيرة من النهج التجريبي في تعميم الظاهرة الملاحظة. وتتطور المفاهيم العلمية لدى المتعلمين نتيجة تعرّف المزيد من خصائص الأشياء والوضعيات، وتنمو بنمو المعارف والحقائق لدى المتعلمين، وتنمو قدراتهم على التصنيف والتفسير والتنبؤ.
وظيفة التمثلات في بناء المفاهيم (نموذج PCORS عند A. Giordan)
يعتبر Astolfi أن التمثلات وظيفة عقلية خاصة عند المتعلم مرتبطة بالتنظيم المعرفي لذاكرته، كما تمثل عوائق خاصة بكل مجال مفاهيمي أو عملية تقوم بها المتعلم. فالتمثلات إذن أنماط خاصة من المعارف تعبر عن بنيات معرفية منظمة يقوم بها المتعلم في الذاكرة. ويقدّم A. Giordan تعريفاً شاملاً لمفهوم التمثل باعتبار الصيغة التالية: التمثل = دالة (P.C.O.R.S)، حيث:
| الرمز | المصطلح | تعريفه |
|---|---|---|
| P | Problème (المشكل) | مجموعة التساؤلات التي تدعو إلى خريطة إلى النشاط المحرِّك لاستعمال التمثل |
| C | Cadre de référence (إطار مرجعي) | مجموعة المعارف الجانبية المستعملة من طرف المتعلم لصياغة تمثله |
| O | Opérations mentales (العمليات الذهنية) | مجموعة العمليات العقلية التي يتحكم فيها المتعلم قصد إنتاج أو استعمال تمثله |
| R | Réseau sémantique (شبكة دلالية) | وهي تنظيم انطلاقاً من الإطار المرجعي والعمليات الذهنية قصد إعطاء دلالات للتمثل |
| S | Signifiants (الدوال) | مجموعة العلامات والرموز والإشارات المستعملة لإنتاج وتفسير التمثل (خطاطات، نماذج، رسوم، بيانات...) |
ونظراً للأهمية الديداكتيكية للتمثلات في بناء المفاهيم العلمية، أوصت عدة أبحاث ودراسات في مجال ديداكتيك العلوم بضرورة مراعاتها خلال عملية التكوين، حيث تصبح وظيفتها أكثر دينامكية لا بالنسبة للمتعلم فحسب، بل إنها تمكّن المدرس من: إدراك الفرق بين أخطاء المعرفة الصحيحة؛ قبول مناقشة المعارف المترسخة في ذهنه وبالتالي نسبية تعلّم المعرفة؛ احترام أفكار وآراء المتعلمين؛ تجاوز العوائق المطروحة من طرف تصوراته وإمكانية ارتقائه إلى مستويات أعلى من التجريد والتعميم؛ إعادة تنظيم معارفه السابقة.
ويستحسن أن يوظف المدرس هذه التمثلات في سيرورة تعلمه، عبر جعل المتعلمين يفصحون عنها جماعياً قصد مواجهتها، بما يولّد أشكالاً من صراعات اجتماعية معرفية (conflits sociocognitifs) داخل الفصل، وذلك بوضع المتعلمين في وضعيات-مسائل.
بيداغوجيا المشروع: أربع خطوات
تقوم طريقة المشروع على تقديم مشاريع للتلاميذ، في صيغة وضعيات تعلمية تدور حول مشكلة اجتماعية واضحة، تجعل التلاميذ يشعرون بميل حقيقي لبحثها وحلها كل منهم حسب قدراته، وبتوجيه وإشراف المدرس، وذلك بالاعتماد على ممارسة أنشطة ذاتية متعددة في مجالات شتى. تنطلق هذه الطريقة من تجاوز الحدود الفاصلة بين المواد الدراسية، إذ يتداخل هذه المواد حول مجموعة من الأنشطة الهادفة لكي تصبح المعلومات والمعارف وسيلة وليست غاية في ذاتها.
| # | الخطوة | مضمونها |
|---|---|---|
| أ | اختيار المشروع | تحديد أهداف المشروع لإشراك التلاميذ ورغبتهم وميولهم؛ ينبغي أن يكون: خصباً بأنشطة ويسّ مجالات عمل متنوعة؛ قابلاً للتنفيذ؛ ذا ارتباط بالموضوعات المقررة وبقية المواد الأخرى |
| ب | تخطيط المشروع وتنظيمه | يقوم المدرس مع التلاميذ بتخطيط المشروع وتنظيمه في ضوء الاحتمالات الممكنة، وذلك لضمان عدم الإخفاق في تنفيذه |
| ج | تنفيذ المشروع | تبدأ مجموعة التلاميذ التي تنفيذ جوانب المشروع تحت إشراف المدرس ومساعدته، وفقاً لما تم الاتفاق عليه من التخطيط والتنظيم |
| د | تقويم المشروع | يناقش المدرس التلاميذ فيما أنجزوه، ويقدمون إنجازاتهم وآراءهم، ويقومون بما حققوه من أهداف ومدى نجاحهم في عمليات التخطيط والتنظيم والتنفيذ، ويتعرفون عن مواطن ضعفهم وأماكن الخطأ كي يعملوا على تفاديها مستقبلاً، ويبلورون النتائج التي توصلوا إليها في صورة عملية منظمة توضح جوانب الظاهرة التي شكلت موضوع المشروع |
وظائف بيداغوجيا المشروع الأربع (حسب Marc Bru & Louis Not)
| الوظيفة | مضمونها |
|---|---|
| وظيفة تحفيزية | ينخرط التلاميذ في أنشطة ذات دلالة بالنسبة إليهم ويجدون اهتمامهم بالمدرسة |
| وظيفة ديداكتيكية | إعادة موضعة المعالجة المعارف والكفايات المراد اكتسابها في صلب المشروع |
| وظيفة اقتصادية | ينتج المشروع منتوجاً أو وسائل أو إمكانيات، لذلك يجب إدراج الإكراهات التي تفرض لجماعة في تدبير الوقت والموارد |
| وظيفة اجتماعية | يتطلب كل مشروع وساطة وتنسيقاً بين الأقران والشركاء |
التقويم التربوي: ثلاثة أنماط منسجمة مع أنماط التعلّم
يستند منهاج علوم الحياة والأرض على اعتماد كفايات المتعلم كمنطلق للتموضع من مسار تكوينه، والمساهمة الفعلية في تدبير هذا التكوين. وينص المنهاج على اعتبار أشكال التقويم التالية في كل مقطع تعليمي-تعلّمي:
| النمط | توقيته | وظيفته |
|---|---|---|
| التقويم التشخيصي أو القبلي | بداية معالجة كل وحدة | رصد حصيلة الصعوبات والمكتسبات وكذا الاستعدادات الأولية؛ يمكّن هذا النوع من تحديد وضعية الانطلاق للتعليم والتعلم |
| التقويم التكويني | باندماجه في سيرورة التعلّم | يساعد على التعرف أخطاء المتعلم وفهمها وتصحيحها؛ يُنبئ الأستاذ بكيفية الآثار المستمرة (الدعم التربوي) لفعله البيداغوجي |
| التقويم الإجمالي أو النهائي | عند نهاية كل حلقة تكوين | يسمح بإنجاز حصيلة منقطة للتكوين المتبع؛ يكون هذا التقويم إثباتياً عندما يرتبط بإثبات عند نهاية حلقة أو عدة حلقات دراسية استحقاق شهادات النجاح والتقدير |
معطيات منهجية لتقويم الكفايات: ثلاثة أدوات
| الاختبار | مضمونه |
|---|---|
| الاختبارات الشفهية | تكون على شكل سؤال أو عرض شفهي، وتُستعمل لتقويم عناصر من الكفايات التواصلية (التعبير الشفهي) خلال تقويم تشخيصي أو أثناء تقويم تكويني |
| الاختبارات العملية | يمكن اللجوء إلى هذا النمط خلال حصص الأشغال التطبيقية، حيث تسمح التجارب والمناولات المنجزة ومناقشة النتائج بتقويم عناصر من الكفايات التكنولوجية والمنهجية والتواصلية والاستراتيجية، ويكون هذا التقويم مندمجاً في سيرورة التعلم |
| الاختبارات الكتابية | الاختبارات الموضوعية (اختبارات الاختيار من متعدد QCM، اختبارات المطابقة، اختبارات التكميل، اختبارات الإجابات القصيرة)؛ الاختبارات المقالية (الاستظهار المباشر للمعارف، الاستظهار المنظم للمعارف)؛ اختبارات توظيف المكتسبات واستغلال الوثائق |
الدعم التربوي: أنماطه الثلاثة
يشكّل الدعم التربوي إجراء مرتبطاً بكل أنماط التقويم السالفة الذكر. فإذا أفرزت نتائج التقويم التشخيصي عن وجود نقص في مكتسبات المتعلمين القبلية دون تحول ذلك من التعليم، وجب اتخاذ تدابير وقائية وداعمة تمكّن من متابعة تلك المتابعة. وإذا أفرزت نتائج التقويم التكويني وجود صعوبات وثغرات أثناء مسار التكوين، فإنه من اللازم القيام بتدخلات تصحيحية لسد تلك الثغرات. وإذا أظهرت نتائج التقويم الإجمالي عدم بلوغ عتبة إتقان الكفايات المتوخاة، ينبغي اتخاذ قرارات لتعويض النقص الحاصل وتداركه.
| نمط الدعم | خصائصه |
|---|---|
| الدعم المندمج | يتم في نطاق أنشطة القسم، ويتميز بكونه: دعماً دائماً ومستمراً على شكل تدخلات آنية للمراجعة والتثبيت والتعويض وسد الثغرات؛ دعماً مرتبطاً بالتقويم التكويني الذي يقوم به الأستاذ أو بالتقويم الإجمالي؛ دعماً فردياً عن طريق تكليف الفئة المعنية بإنجاز بعض الأنشطة التكميلية |
| الدعم المؤسسي | يتم خارج القسم وداخل المؤسسة في إطار أقسام خاصة، ومن إجراءاته: إنجاز مشروع المؤسسة لتغطية بعض جوانب النقص لدى المتعلمين؛ إحداث أقسام خاصة بالدعم؛ الدعم في فضاءات مدرسية أخرى كمراكز التوثيق والخزانة والقاعات المتعددة الوسائط |
| الدعم الخارجي | يتم خارج المؤسسة عبر إجراءات منظمة (كالمكتبات العامة، دور الشباب والثقافة) |
وتؤدي نتائج الاختبارات إلى تغذية راجعة تستمر على مستوى كل مكونات العملية التعليمية-التعلمية (الأهداف والطرائق والمعينات التربوية والاختبارات نفسها)، بهدف تحسين مردودية التعليم والتعلم. ويتم تشخيص الأخطاء عن طريق تحليل أوراق اختبار التحصيل والملاحظة المستمرة أثناء التعلم، ويتم إجراء تصحيح الاختبارات من طرف الأستاذ لدعم المتعلم المتفوق لدعم المتعلم الضعيف، والمتعلم نفسه بناء على توجيهات الأستاذ (تصحيح ذاتي).