مباراة توظيف الأساتذة الأطر بالأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين 2020 — تخصص اللغة العربية

مادة التخصص · 41 سؤالًا · 240 دقيقة

اختبار في مادة التخصص وديداكتيك مادة التخصص. مفتاح الإجابة الرسمي مدمج، مع تفسيرات تعليمية إضافية. مدة الإنجاز الأصلية: خمس ساعات.

النص المرجعي — جابر عصفور

تؤكد النظرية النقدية المعاصرة الخصائص النوعية للأدب باعتباره نشاطا تخييليا متميزا في طبيعته عن غيره من الأنشطة الإنسانية. وانطلاقا من هذا التأكيد، يحاول النقد المعاصر النفاذ في نسيج العمل الشعري، وتأمله باعتباره بنية من العلاقات يكشف تفاعلها عن معنى القصيدة، كما يشير إلى طريقتها المتميزة في إثراء المتلقي، وتعميق وعيه بنفسه، وخبراته بالواقع. ومن هذه الزاوية تظهر أهمية الصورة الفنية للناقد المعاصر، فهي وسيلته التي يستكشف بها القصيدة وموقف الشاعر من الواقع، وهي إحدى معاييره الهامة في الحكم على أصالة التجربة، وقدرة الشاعر على تشكيلها في نسق، يحقق المتعة والخبرة لمن يتلقاه.

ومع أن "الصورة الفنية" مصطلح حديث، صيغ تحت وطأة التأثر بمصطلحات النقد الغربي والاجتهاد في ترجمتها، فإن الاهتمام بالمشكلات التي يشير إليها المصطلح قديم، يرجع إلى بدايات الوعي بالخصائص النوعية للفن الأدبي. قد لا نجد المصطلح - بهذه الصياغة الحديثة - في التراث البلاغي والنقدي عند العرب، ولكن المشاكل والقضايا التي يثيرها المصطلح الحديث ويطرحها موجودة في التراث، وإن اختلفت طريقة العرض والتناول، أو تميزت جوانب التركيز ودرجات الاهتمام. إن الصورة الفنية هي الجوهر الثابت والدائم في الشعر، قد تتغير مفاهيم الشعر ونظرياته، فتتغير - بالتالي - مفاهيم الصورة الفنية ونظرياتها، ولكن الاهتمام بها يظل قائما ما دام هناك شعراء يبدعون، ونقاد يحاولون تحليل ما أبدعوه، وإدراكه والحكم عليه.

ولقد عالج نقدنا القديم "قضية الصورة الفنية" معالجة تتناسب مع ظروفه التاريخية والحضارية، فاهتم كل الاهتمام بالتحليل البلاغي للصورة القرآنية، وتمييز أنواعها وأنماطها المجازية، وركز على دراسة الصور الشعرية عند الشعراء الكبار أمثال أبي تمام والبحتري وابن المعتز، وانتبه إلى الإثارة اللافتة التي تحدثها الصورة في المتلقي، وقرن هذه الإثارة بنوع متميز من اللذة، والتفت نوعا ما إلى الصلة الوثيقة بين الصورة والشعر، باعتبارها إحدى خصائصه النوعية التي تميزه عن غيره، فضلا عن أن الصورة كانت تفرض نفسها - دوما - على وعي الناقد القديم أثناء بحثه القضايا الأساسية التي شغلته، مثل الموازنة، والسرقات، كما كانت تفرض نفسها عليه في محاولته تتبع ما حققه الشعراء من اختراع أو ابتكار أو ابتداع. وقدم النقد العربي القديم عبر قرونه المتعددة مفاهيمه المتميزة التي تكشف عن تصوره الخاص لطبيعة الصورة الفنية وأهميتها ووظيفتها، وأفاد في تكوين هذه المفاهيم من تحليله البلاغي للنصوص الشعرية والقرآنية، كما أفاد من التراث اليوناني السابق عليه.

وفي تقديري أن الكشف عما توصل إليه التراث النقدي والبلاغي من إنجازات تتصل بقضية الصورة الفنية يتم بدراسة جوانب ثلاثة بالغة الأهمية. أول هذه الجوانب هو الخيال، أو الملكة التي تشكل صور القصيدة وتصل ما بينها في عمل أدبي. وثانيها: دراسة طبيعة الصورة ذاتها، باعتبارها نتاجا لهذه الملكة، ونسيجا متميزا من العلاقات اللغوية، يقدم المعنى تقديما حسيا. وثالثها: دراسة الوظيفة التي تؤديها الصورة في العمل الأدبي، وأهميتها للمبدع والمتلقي على السواء.

في النهاية، لست بحاجة إلى القول بأن تقديرنا للظروف التاريخية للتراث، لا ينبغي أن يمنعنا من اتخاذ موقف نقدي منه، في ضوء وعينا المعاصر، وما يفرزه من مشاكل وقضايا. ولا بأس من أن يتغير هذا الموقف مع تغير العصر وتطور قيمه، فالمهم هو أن يكون لنا باستمرار موقف واضح من تراثنا، ليكون هذا التراث متفاعلا مع حاضرنا، لا مجرد صفحات موجودة في كتب مطبوعة أو مخطوطة، نكتفي بالإشارة إليها.