يستند هذا الفصل إلى قسمَي الوثيقة الرسمية الأخيرين: الورقات المنهجية (طرق العمل الديداكتيكي، الكتاب المدرسي، تقويم التعلمات)، والتوجيهات التربوية الختامية حول الوسائل التعليمية والدعامات البيداغوجية.
1. التوجيهات التربوية الخاصة بمادة التربية الإسلامية بسلك الثانوي التأهيلي
لما كان الأستاذ(ة) هو الركيزة الأساس لإنجاح العملية التعلمية، ولما كانت جودة مخرجات هذا النظام متوقفة أساسا على الإسهام الفعلي والجاد لجميع مكونات هذا النظام بشكل جيد يراعي أهدافه وغاياته ومقاصده، فإن تنفيذ المنهاج بشكل جيد يحتاج إلى توجيه وترشيد للممارسة الصفية، بالإضافة إلى التكوين الذي يظل العامل الرئيس لإنجاح أي منظومة تعليمية.
أ. الدرس النظري: قضية الوحدة والوضعية-المسألة
قضية الوحدة: لكل وحدة قضية مركزية تؤطرها، يجب الوقوف عليها، وتحديد مكوناتها ومناقشتها وتحليلها، وتحديد شبكة ناظمة لمفاهيمها الرئيسة وقضاياها الفرعية. الوضعية-المسألة: لكل درس إشكالية يعالجها، تقترح المدرسية أرضيات مساعدة على تحديدها لا يجب الاقتصار عليها، لأنه من سمات المسألة الوضعية أن تكون ذات معنى بالنسبة للمتعلم(ة)، مرتبطة بواقعه وعلى مستوى مناسب من التعقيد لإمكاناته المعرفية العقلية والنفسية؛ لذلك يجب الانطلاق من وضعية مسألة خاصة يعالجها الفصل من خلال تشخيص تمثلات المتعلمين، وتوظيف أسئلة مفتوحة، تتيح للتلميذ(ة) فرصا لإشباع حاجاته الشخصية، كالتعبير عن الرأي، واتخاذ المبادرة، والوعي بالحقوق والواجبات، والإسهام في الشأن الأسري والمحلي والوطني. وكل ذلك لتمكين المتعلم(ة) من تعبئة مكتسباته في مجالات حياته، لأنها تشكل تحديا محفزا ومحفزا على التعلم الذاتي.
مركزية المتعلم(ة): كما يجب أن تكون إشكالية الدرس مناسبة للمتعلم(ة)، ينبغي أن تفسح له المجال ليقترح فرضيات وخطة عمل/منهجا يصل بها إلى الحل من خلال العمل الجماعي، حين يكون مسؤولا حين صوغ الفرضيات وتحديد الاستراتيجية ومسارات معالجتها، وتحديد أساليب تقويم نتائج عمله.
ب. المحتوى والمعينات
المحتوى: المتحكم أساسا في المحتوى هو المنهاج، والكتاب المدرسي ليس إلا صيغة من الصيغ المحتملة لترجمة كل كتاب؛ لذلك فمحتويات كل كتاب ترتبط أساسا بطبيعة المقاربة والإشكالات المثارة؛ لذا يُستحب: التعامل مع المحتوى بنظرة أشمل وتعددية راشدة؛ التعامل مع المحتوى ببعد وظيفي بالانطلاق من القضايا الأساسية التي توجه المنهاج وأهدافه، ونظم هذه القضايا في نسق متكامل ومنتام؛ تجنب الجزئيات وتوظيف الخطاطات للكشف عن العلاقات الموجودة بين المفاهيم؛ إثارة إشكالات تعبئ المعرفة وتسمح بتوظيفها في وضعيات تعلمية تدرب المتعلم(ة) على حل المشكلات وترفع نسبة انخراطه في الأنشطة واهتمامه بالمحتوى. المعينات: بما أن الكتاب المدرسي ليس معينا إلا من المعينات الديداكتيكية المتعددة، ينبغي تعزيز الاشتغال الديداكتيكي بسندات بيداغوجية متنوعة من نصوص ووثائق.
ج. التقويم في الدرس النظري
يركز أساسا على: تقويم مستوى اكتساب المتعلم(ة) للمفاهيم المستهدفة والمهارات التعليمية إضافة إلى المعارف؛ مستوى استجابة المتعلم(ة) للقيم المتضمنة في المفاهيم المكتسبة في استعداده لتنميتها واستدماجها.
2. التطبيقات: الإطار والمهارات المستهدفة
الإطار: يتم الاشتغال على السندات البيداغوجية في سياق قضية مركزية مؤطرة، تتكامل النصوص والسندات في مقاربتها من زوايا مختلفة ومتكاملة؛ الاشتغال الوظيفي بالسندات البيداغوجية: تتنوع هذه السندات بين نصوص شرعية وفكرية أو صور وإحصاءات وخرائط ومبيانات...؛ بالنسبة للنصوص يشتغل عليها وظيفيا في إطار معالجتها للقضية أو الموضوع، مع مراعاة الغاية من انتقائها (الانتباه إلى موضع الشاهد فيها) وإدراجها في معالجة القضية، ولابد من مراعاة خصائص كل نص في منهجية معالجته، ففي النص القرآني مثلا يجب مراعاة ترتيله وفهمه واستنباط أحكامه، باعتبارها منهجيا محددا للتعامل معه. أما بالنسبة للسندات الأخرى فيمكن استثمار تعلمات المتعلمين ومهاراتهم المكتسبة في المواد الأخرى، مثل قراءة الخرائط وتحليل الإحصاءات.
المهارات المستهدفة: ينبغي انتقاء مهارات محددة خاصة بكل حصة تطبيقية، بحيث تكون هذه المهارات مرتبة ومتدرجة وملائمة لطبيعة السندات البيداغوجية التي يكتسبها المتعلم(ة) بالتدرب عليها، مما يستدعي تحديد خطة عملية منسجمة ومتنامية لاكتسابها وترسيخها، وهذه المهارات يجب أن تتنوع وتتكامل بحيث يمكن تصنيفها إلى مهارات منهجية تجعل المتعلم(ة) قادرا على الاشتغال على مختلف السندات، ومهارات التعلم الجماعي التعاوني.
اشتغال المتعلم(ة): الدعامات البيداغوجية ليست مقصودة لذاتها، بل تؤطر الفضاء الذي يشتغل فيه المتعلم(ة) ويتدرب على: تحديد الإشكال المؤطر لهذه التطبيقات وتحليله، بتوظيف الدعامات، من خلال: إدراك المعاني الكبرى المستفادة منها، وخلفياتها ومرجعياتها، ومناقشتها واتخاذ المواقف منها.
3. الأنشطة: الإعداد الجيد والعمل التعاوني والتقويم
على الرغم من تنوع الأنشطة فالمشترك بينها أنها تسفر عن منتوج قابل للتقويم، ولتحقق ذلك لابد من: الإعداد الجيد: يكون بملاءمة النشاط للمحيط، وبتحويله إلى مجموعة من المهام المناسبة للمتعلم(ة) وذات معنى بالنسبة له، والمندرجة في سياق واقعي وعملي. العمل التعاوني: عمل الفريق هو أساس تطوير كفايات المتعلمين التواصلية والاجتماعية، لتأهيلهم للاندماج الإيجابي في محيطهم، لذلك لابد من تغيير أشكال العمل داخل الفصل والانفتاح على فضاء المؤسسة ومحيطها. التقويم في الأنشطة يركز على بعدين: تقويم المنتوج من حيث الجودة والجدة، وتقويم عمل الفريق بالتركيز على مهارات التواصل والتعاون ومعرفة الذات والتعبير عنها.
4. العلاقة بين الدروس النظرية والتطبيقات والأنشطة
يعتبر مبدأ التركيز على الكيف بدل الكم، أي الانتقال من الكم المعرفي أو المعرفة لذاتها إلى المعرفة الإجرائية والفعل، من أهم المبادئ الأساس التي روعيت في مراجعة برامج التعليم الثانوي التأهيلي، باعتبارها معبرا نحو التعليم العالي، أو الخروج إلى الحياة العملية العامة، وهو مبدأ يساير بيداغوجيا الكفايات التي تهدف —إضافة إلى اكتساب المعرفة— إلى تمكين المتعلم(ة) من آليات وأدوات معالجة المعارف وإنتاجها وفق الأحكام والمقاصد والقيم الإسلامية السمحة، باستحضار واقع المتعلمين المعاصر في كل تجلياته ومظهراته. فالدروس النظرية، في إطار الوحدة الدراسية التي تنتمي إليها، تستهدف مقاربة محاور المواضيع المطروقة من زوايا متعددة، وترتكز في ذلك على إبراز جملة من المعارف والأحكام الأساسية، وتثبيت المهارات المناسبة في حدها الأدنى؛ أما الدروس التطبيقية فيجب أن توجه الجهود صوب تعميق وتثبيت وتطوير تلك المعارف والمهارات الأساسية المثارة في الدرس النظري، من أجل ملامسة تحليل القيم والأحكام الشرعية المطروحة طي مفردات الوحدات، في أبعادها العقدية والاجتماعية والاقتصادية، واستلهام علاقتها بالمحيط وواقع الحياة المعاصرة؛ أما حصص الأنشطة فهي المجال الرحب أمام المتعلمين لإبراز خصوصياتهم ومهاراتهم، وتفعيل خبراتهم الفكرية والفنية وممارستها من خلال نشاط جماعي.
5. دراسة المؤلفات: المجال والمهام والتقويم والنقد
على الرغم من أن المجال المعرفي المرتبط بالكتاب المقرر —وهو السيرة النبوية— غير مقصود للتحكم فيه ذاته، فلابد من يكون للدروس والعبر المستفادة من السيرة النبوية العطرة معنى، حتى يكون الترتيب الكرونولوجي لأحداث السيرة النبوية العطرة ميسرا للمتعلمين لفهم الحدث السيري (أسبابه ونتائجه)، ويسهم في استيعاب الدروس والعبر. أما المهام فتشمل البحث، ودراسة المؤلف وتحليله، ودراسة منهج المؤلف وأسلوبه العلمي والحجاجي، ورصد مرجعيات المؤلف. أما التقويم والنقد فله معنيان: تنمية قدرة المتعلم(ة) على نقد المؤلف وأسلوبه ومنهجه في التصنيف والحجاج والاستنباط والإقناع، وتقويم قدرة المتعلم(ة) على المناقشة، واستنباط الدروس والعبر، وتمثلها وربطها بنفسه وواقعه ومجتمعه.
6. الوسائل التعليمية والدعامات البيداغوجية
يفرض كل عمل ديداكتيكي أي مادة الوقوف عند مجموعة من التساؤلات: لماذا هذه المادة؟ ما هو محتواها؟ إلى من نتوجه؟ كيف ندرسها؟ بأي نتيجة؟ وبطبيعة الحال فإن العلاقة تفاعلية بين هذه القضايا الخمس والوسائل، وما يجب التركيز عليه هو مستوى الكيف حيث تحدُّ الطرق والوسائل التعليمية الحديثة حواجز الزمان والمكان والإمكانات البشرية في الرؤية أو السمع أو غير ذلك من الحواس، وصدق من قال: «رب صورة خير من ألف كلمة».
أهمية الوسائل التعليمية: تساعد على فهم الغامض في ثنايا الدرس لأن الألفاظ قد لا تفي بالمراد؛ تنقل الدرس من إطار التجريد إلى الإطار الملموس؛ تنمي روح الملاحظة لدى التلميذ(ة)؛ تحفز المتعلم(ة) على متابعة الدرس؛ توصل إلى الهدف بأيسر جهد وأكبر فائدة؛ سرعة التأثير في العواطف والاتجاهات والمواقف.
نماذج من الوسائل: توظيف الأفلام الوثائقية العلمية والتاريخية أو مقاطع من أفلام مناسبة، أو مبيانات وإحصائيات رسمية؛ استثمار البرامج التعليمية السمعية البصرية ذات الصلة بمفردات الوحدات؛ توظيف أقراص المعلوميات المتضمنة لبرامج تعليمية مناسبة للمحتويات المقررة؛ توظيف أقراص القرآن الكريم والسنة والسيرة النبوية خاصة بالتراث الإسلامي في البحث، وعرض الحقائق، وتجميع المعطيات؛ استثمار المواقع العلمية والتعليمية المناسبة الموجودة على شبكة الأنترنيت للتحضير للدروس أو البحث عن معطيات؛ إنتاج واستغلال الشفافات التعليمية في كتابة النصوص القرآنية والحديثية وعرض الخرائط والرسوم البيانية والصور والإحصاءات؛ توظيف الصور الثابتة المأخوذة من الجرائد والكتب وغيرها.
معايير اختيار الوسائل التعليمية: الانطلاق من المادة (انتقاء المحتويات من مصادرها وتنظيمها داخل البرنامج)، الانطلاق من الأهداف أو الكفايات أو القدرات المستهدفة، الانطلاق من سيكولوجية التعلم (المعيار الذي يحدد انطلاقا من السيرورة التي يقطعها المتعلم(ة) خلال مراحل تعليمية لكي يصل إلى سلوك محدد)، اختيار يرتكز على وضعية الانطلاق (الاعتماد على درجة نضج المتعلم(ة))، الارتكاز على البنية العلمية للمادة (المقصود هنا الارتكاز على الجانب المنهجي في محتوياتها)، الارتكاز على المنفعة الاجتماعية (ترتبط أساسا بتأهيل المتعلم(ة) للعب دور في المجتمع).
التوجيه التربوي/الديداكتيكي: على المستوى العام، ضرورة استفادة المادة من الميزانية الخاصة بشراء المعينات التربوية (العتاد التربوي) وذلك من خلال انخراط أساتذة المادة في مجالس التدبير والمطالبة باستغلال الوسائل المتوفرة دون اعتقاد أنها حكر على مواد أخرى، ووضوح التعليمات الرسمية والأدبيات التربوية الخاصة باستخدام المعينات الديداكتيكية، والتدريب على كيفية استثمار الوسائل التعليمية من خلال برامج للتكوين المستمر وورشات تأطيرية. على المستوى الخاص: إن الاستعمال العشوائي للمعينات أو الوسائل التعليمية مضيعة للوقت وابتعاد عن الهدف، لذلك حدد علماء التربية مجموعة من المبادئ التي ينبغي مراعاتها قبل وأثناء استعمال الوسيلة، ومنها على وجه الخصوص: التحديد المسبق للهدف من استعمال وسيلة معينة، أن تكون الوسيلة وثيقة الصلة بموضوع الدرس، أن تكون ملائمة لمستوى التلاميذ(ة) العقلي والمهاري، أن تكون ذات قيمة معرفية، أن يتم التخطيط مسبقا لتوظيف الوسيلة خاصة من حيث التحكم في الغلاف الزمني، أن لا يترك الوسيلة المنقولة معروضة طيلة الحصة فتتحول إلى عنصر مشوش، متابعة أثر الوسيلة على التلاميذ(ة)، استثمار الأشرطة السمعية البصرية المناسبة.
مراجع الوحدة
مصدر واحد رسمي لكل فصول الوحدة:
المصدر الأول: التوجيهات التربوية والبرامج الخاصة بتدريس مادة التربية الإسلامية بسلك التعليم الثانوي التأهيلي (مديرية المناهج، نونبر 2007). ملاحظة زمنية: صدر منهاج أحدث لهذه المادة سنة 2016، فتُستعمل هذه الوثيقة لفهم المسار التاريخي والمفاهيم المرجعية والبنية العامة، لا لتحديد التفاصيل التنفيذية الجارية.